مقالات واراء

كيفية صُنع آلهة من العجوة :

بقلم: محمد أبوقمر

منذ أربعة أعوام تقريبا إذ لا أتذكر التاريخ بالضبط كان لأئمة المساجد بعض المطالب الفئوية ، وبالفعل تجمعوا من القاهرة والأقاليم ونظموا وقفة احتجاجية أمام وزارة الأوقاف ، أهم مشهد في هذه الوقفة الاحتجاجية للمشايخ هو أن كلا منهم كان يرفع لافتة صغيرة مكتوب عليها ( غضب الأئمة من غضب الله ) .

هذه الواقعة حقيقية وليست نكتة ، ويمكن الرجوع إلي الصحف اليومية الرسمية والخاصة التي نشرت خبر هذه الوقفة الاحتجاجية مصحوبا بصور بعض الأئمة وهم يرفعون هذه اللافتة.

وهنا ينبغي الإشارة إلي عدة أشياء :

– أن فئة المشايخ التي يتولي كثير منهم حشو أذهان الناس بالخرافات يعتبرون أنفسهم امتدادا لإرادة الله ، وأن كل ما يتفوهون به يقولونه نيابة عن الله.

– أن هذه الفئة تمنح نفسها صفة القداسة ، وتضع ذوات أفرادها في منزلة قدسية أعلي وأرفع من البشر ، في حين أن ثقافتهم ومعارفهم تنحصر في حفظ القرآن والأحاديث وأقوال الفقهاء الأقدمين وتفسيراتهم ، وينحصر أداؤهم في ترديد ما حفظوه دون أي إبداع عقلي يراعي تغير الزمن والظروف وتفاصيل الحياة المختلفة من علوم وفنون ومعارف وتكنولوجيا ومخترعات تتناقض أحيانا تناقضا كليا مع ما يرددونه من فتاوي وحكايات.

– أن التعليم الديني كما توحي اللافتة المشار إليها أعلاه ليس لتعليم من يرغب معرفة شيئا عن المذاهب الاسلامية المختلفة ، أو شيئا عن الفتاوي التي قيلت فيما مضي ، أو شيئا عن التفاسير المختلفة للقرآن والسنة التي تطوع الفقهاء الأقدمين بناء علي ثقافتهم ومعارفهم وظروفهم الزمنية والسياسية ، أو شيئا عن الشرائع والفروض والمواريث ، وإنما التعليم الديني – كما تقول اللافتة – هو لتخريج آلهة ، أو ملائكة ، أو علي الأقل لمنح المتخرج صفة القدسية.

– أن التعليم الديني يفصل المتخرج عن الحاضر ، يفصله عن العلم ، يفصله عن منجزات البشرية ، ويعيده وجدانيا وعقليا وروحيا إلي أبعد من ألف عام مضت ، فتراه وهو يفتي بجواز نكاح الصغيرة كأنه يتحدث من داخل خيمة في الصحراء إلي مجموعة من رعاة الغنم الذين تفرض عليهم حياتهم في الصحراء القاحلة الولع بالجنس ، أو تراه وهو يكفّر المسيحي كأنه يعيش ما يزال حالة الصراع بين المؤمنين والكفار في مكة وقت ظهور الاسلام ، أو تراه وهو يسخر من منجزات العلم كأنه يعيش تلك الحياة البدائية الأولي التي كان يظن الناس فيها أن الأرض مسطحة يحملها ملك هائل علي قرنه.

– أن الثقافة والمعارف الدينية لم تعد وسيلة للحصول علي القدسية فقط ، وإنما صارت وسيلة تجارية تحقق أرباحا طائلة ، فما أكثر رجال الدين الذين صاروا جنوا من الاتجار بالدين الملايين والميارات.

من أين جاءنا الكلام عن قتل تارك الصلاة بعد استتابته لثلاثة أيام ، أو عن حرمانية خروج المرأة للعمل ، أو عن العلاج ببول البعير ، من أين جاء النهي عن ود جارنا المسيحي ، أو عن كفره ، أو عن أننا لو أحببناه صرنا كفارا مثله ، من أي مصدر جاءتنا فتوي تجيز نكاح الصغيرة ؟؟!!

في الحقيقة نحن لم نؤلف هذه الفتاوي ، لكن ما نعرفه علي وجه التأكيد أن كل فتوي تعود أساسا إلي وجهة نظر قائلها المذهبية أو الشخصية في النصوص ، وما ندركه أكثر أن الاسلام لم ينزل من أجل القتل أو الكراهية أو احتقار العلم أو نفي العقل ، أو الاغتصاب والسرقة واستعباد الأغيار باسم الله.

هل كانت صلاة الشيخ متولي الشعراوي ركعتين ابتهاجا بهزيمتنا من اسرائيل عام 1967 تتفق مع تعاليم الاسلام أو كانت من ضمن شرائعه؟!!!.

في أحد دروسه أو خطبه قال الحويني في معرض تقديمه حلا لمشاكل المسلمين الاقتصادية إن سبب ما نحن فيه من أزمات اقتصادية واجتماعية هو توقف المسلمين عن الغزو ، واقترح الرجل أن نقوم بغزو بلاد الفرنجة والاستيلاء علي ما فيها من خيرات وسبي نساءها ورجالها وأطفالها جميعهم ، علي أن يقوم الخليفة بتوزيع ما تم الاستيلاء عليه من خيرات وبشر علي المشاركين في الحملة ، وقال نصا : لكل جندي في الحملة – علي سبيل المثال – امرأة وطفلين وثلاثة رجال ، أو ثلاثة نساء وجلين وصلاصة أطفال ، ثم قال : إن هذه العملية تستلزم بالضرورة إنشاء سوق إسلامي للاتجار في البشر ، إذ قد يريد أحد المسلمين الاستغناء عن رجل ، أو عن طفل وإبداله بامرأة ، أو قد يريد بيع ما بحوزته من سبايا في مقابل المال.

هذا الحويني يعتبره السلفيون أعلم أهل الأرض بالاسلام ، فهل أطروحته هذه من ضمن أركان الاسلام أو من ضمن شرائعه ، أو هل نزل بها نص يفرضها كما شرحها الحويني؟؟!!.

ماذا لو اعتبر أحدنا أطروحة الحويني تطرفا ، أو اعتبرها إرهابا ، أو سفها وجنونا ؟.

إن خيباتنا المركبة والتي توحي بالبؤس والضياع تتمثل في موافقتنا علي وجود أمثال هؤلاء طليقين يفرزون هذه الوساخات وينشرونها عبر وسائل الاعلام المختلفة.

الأمر لا يتوقف عند تركهم طلقاء يبولون في العقول إلي درجة أنك تلاحظ إلي أي درجة مفزعة تعفنت أرواح الكثيرين إلي الحد الذي بمجرد أن أعلنت إحدي المذيعات رأيها في بعض أقوال الشعراوي التي تتطابق تماما مع يفعله إرهابيو داعش هاج الكثيرون وماجوا وانهالوا علي المسكينة بالسباب والأوصاف التي تتنافي مع أبسط قيم الدين الذي يتوهمون أنهم يدافعون عنه باعتبار الشعراوي أحد المقدسين الذين يعبرون عن مراد الله وإرادته ، أو ينوبون عنه في إصدار الأحكام .

منذ عدة أيام قليلة فقط شاهدت لقاءا تلفزيونيا كانت ضيفته الرئيسية سيدة قالوا إنها متخصصة في علوم الفيزياء ، وأنها تنظر إلي هذه العلوم نظرة إسلامية ، وبمجرد أن بدأت عالمة الفيزياء الاسلامية في الحديث أحسست بأنني أجلس في زريبة ، إذ قالت السيدة المؤمنة أنها نظرت في القرآن نظرة متفحصة فاكتشفت أنه لا يوجد نظام شمسي ، وأن المجموعة الشمسية هي أكذوبة يروجها الكفار ، وأن الأرض ليست كروية بل مسطحة تماما ، وأن ظل الإنسان الذي يبدو له وهو يمشي تحت الشمس موجود اصلا بغض النظر عن طلوع الشمس أو غيابها.

مازلت أتذكر اللافتة التي رفعها رجال الدين في وقفتهم الاحتجاجية والتي تقول إن غضب الأئمة من غضب الله ، وأقول إن لرجل دين حرية النظر إلي ذاته بالطريقة التي تروق له ، له الحق في اعتبار نفسه قديسا فوق النقد وأعلا قيمة من البشر ، ففد كان أحد المتسولين يأتي كل ليلة إلي المقهي الذي اعتدت لقاء أصدقائي فيه ، لم يكن يتسول بالطريقة المعتادة لدي المتسولين الذين يلحون عليك بطلب المساعدة ، وإنما كان بمجرد دخوله إلي المقهي يعتلي إحدي الطاولات في منتصف المقهي ثم يزعق بأعلي صوته قائلا : أيها المواطنون ، ويروح كزعيم سياسي يلقي علينا خطبة يصف الشعب المصري كله وليس رواد المقهي فقط بأنهم حثالة من البشر ، ولم يكن ينهي خطبته إلا حين نصفق له ونهتف بحياته كزعيم للأمة.

المشكلة إذن ليست في اعتبار رجل دين نفسه شخصا مقدسا ، لكن البؤس الحقيقي هو في هذه النوعية من الناس التي مزجت بين الدين وبين شخص رجل الدين ، بل مزجت بينه وبين الذات الإلهية ، واسلمت قيادهها له ، وصار كل منهم مجرد دمية تتحرك وفق إرادته ، وتحول الدين بالنسبة إليهم من علاقة خاصة جدا بينهم وبين الله إلي علاقة بائسة خالية من العقل بينهم وبين رجل الدين ، لا يدخلون دورة المياه إلي بالطريقة التي يحددها ، يكرهون الأغيار بناء علي توجيهاته ، يتوسلون إليه أن يطلب من الله غفران خطاياهم ، أو شفاء مرضاهم ، أو زيادة أرزاقهم.

قداسة رجل الدين إذن لا دخل للدين بها ، وإنما يكتسبها نتيجة الانسحاق الفكري لدي من يقدسونه ، نتيجة التشوه الذي يصيب العقل الجمعي للأمة في مراحل انحطاطها واضطرابها الثقافي والمعرفي ، إذ حين تفقد الأمة بوصلتها التاريخية يركب رجل الدين ، ويقوم بعملية إعادة تشكيل الوعي وفق معارفه التي تنتمي إلي ظروف زمنية بائدة ، فيصبح من الطبيعي أن يمزج الناس بين الدين وبين رجل الدين ، بل يصبح من الطبيعي أن يربط الناس بين ذات الله وذات رجل الدين ، بل يصير من الطبيعي جدا أن يرفع رجل الدين لافتة تقول إن غضب الأئمة من غضب الله دون أن يثير ذلك حفيظة أحد.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى

Escort Mersin

|

Escort kızlar Eskişehir

|

Eskişehir türbanlı escort Merve

|

Mersin escort bayan

|

adana escort bayan facebook

|

adana suriyeli escort bayan

|

adana escort fiyatlari

إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat