مقالات واراء

سحر الجعارة تناقش اعترافات جريئة.. تضحيات ونزوات

كنت في الخامسة عشرة من عمرى حين قابلته، كان أول إنسان يستمع لآلامى ويربت على كتفى وأنا أبكى.. لأشعر بالطمأنينة التي سرقها منى «طلاق» أمى وأبى.

الطلاق كانت صدمة حياتى، والدى كان مولعا بالنساء وأمى لم تصبر عل نزواته، فعاقبها على «الاعتراض» بورقة الطلاق وانتزاعى أنا وأخى من أحضانها وحرمانها من «النفقة».. فأصبحت «ضيفة» على منازل الأعمام والعمات، يعاملونى كأنى «ابنتهم» لكنى لم أكن ابنتهم بالطبع!.

كل عدة أشهر أنقل أوراقى من مدرسة لأخرى، مع ثيابى المتواضعة وأحزانى، لأنام على «كنبة» في منزل أسرة مترابطة تخشى بالطبع على بناتهم من تجربتى، وتخشى على أولادهم من وجودى!.

كان وقتها الحب هو «طوق النجاة»، بعد أن تفرغ أبى لمنصبه الكبير ثم تزوج من إحدى صديقات أمى، وانشغلت أمى بالبحث عن عمل وتحويش «جنيهات قليلة» تضمن لها توفير «خلو» لتحصل على مكان تضمنا فيه.. ونجحت أمى في تدبير المبلغ بعد أن باعت مصاغها وذهبنا أخيرا لنعيش معها على أثاث متواضع.. ورأيتها كثيرا تستدين لتطعمنا وتبيع ما تبقى لديها لتسدد مصاريف المدرسة، حتى لا تلجأ للأب الغارق في «ملذات الحياة».

اندفعت عاطفيا ونفسيا وإنسانيا تجاه «الشاب» الذي جذبنى من بحر الهموم والمتاعب إلى عالم رومانسي، صاخب بالأصدقاء والفسح والسهرات، وتزوجته وأنا في الجامعة وأنجبت ابنتى الوحيدة، ولم تمنعنى الأمومة أو الدراسة عن مشاركته حياته واهتماماته السياسية، دخلت معه نفس «الحزب» ومن خلال العمل السياسي تجاوزت أزمتى النفسية، ورممت نفسي، وقبلت «راضية» بحياة بسيطة في شقة من غرفة وصالة.. حتى جاء اليوم الذي اعتقل فيه زوجى.

كنت أحمل طفلتى الصغيرة لأزوره في السجن، وأعود لأعمل «سكرتيرة» في أحد المكاتب، وفى البيت أذاكر ما فاتنى من محاضرات كليتى النظرية.

وظل زوجى يخرج من السجن ليعود إليه، كمعتقل سياسى، وحين يعود جريحا ومهزوما يدخل في دوامة اكتئاب ويرفض كل عمل يعرض عليه، رغم أنه «مهندس».. وكنت أتحمل وأصبر نفسى وأشعر بالفخر لأننى أدعمه وأسانده في محنته ولأننى كنت أعشقه وأؤمن بكل أفكاره فلم أتخل عنه.. الآن أسترجع تفاصيل تلك المرحلة الصعبة بعدما مر عليها أكثر من خمسة وثلاثين عاما.

قررت أنا وهو ألا ننجب مرة ثانية، وفى داخلى اتخذت قرارا آخر بأن أتجاوز «مرحلة الفقر» لأربى ابنتى في واقع أجمل مما عشته.. عملت كثيرا ونجحت وورث هو عن عائلته شقة بحى راق انتقلنا إليها وأثثتها وغيرت سيارتى وأدخلت ابنتى مدارس أجنبية.. ولم أتوقف لأسأل نفسي أو أعاتبه: لماذا لا يعمل بعدما أصبحت السياسة بالنسبة له مجرد «نظريات»؟.

تكفلت بمصاريف الحياة وانشغلت وهو يمارس أبوته ويربى ابنتنا على أمل أن تكون «صلبة» مثلنا.. كل شيء في حياتى وكل شيء من حولنا تغير إلا هو ظل على حاله.. يجيد صناعة البهجة للآخرين، وحين ينفرد بى يتحول إلى كائن منطو حزين منكسر.. فكنت أحاول مداواته بمزيد من الحنان وكأننى أمه.

كل هذه السنوات لم أشعر بأنه يغار من عملى ونجاحى، رغم أنه يصب في مصلحة الأسرة، لكن إنفاقى على البيت كان ضاغطا على أعصابه، وكان يحاول استمالة البنت إليه واستقطابها بعيدا عنى.. وبدأ يجرح أنوثتى متعمدا ويسخف من دورى في الحياة وينكر تضحياتى من أجله.. ويبدو أنه لم يجد شكلا للثأر من المرأة التي ساندته طيلة المشوار إلا «الخيانة» ليؤكد لنفسه أنه الأكثر تفوقا لو بشكل سلبى.. ويطعننى كامرأة ويهدر كل القيم إلى آمنت بها!.

كان شبح «طلاق أمى» يتهددنى، وكنت أتصور حال ابنتى لو أصبحت «ضيفة الكنبة» كما كنت.. فأستبعد فكرة «المواجهة» من تفكيرى وأتجاوز شكوكى وأكمل المشوار.. حتى جاء اليوم الذي سمعته يكلم امرأة ويتواعدا على اللقاء في «شرم الشيخ» بعد أن ادعى أنه سوف يسافر للتعاقد على عمل.. انهرت تماما فأنا من ستنفق على «رحلة الخيانة» من تعبى وعمرى وأعصابى، فكرت أن أمزق تذكرة الطيارة التي اشتريتها بنفسى ثم تراجعت خشية أن ينهار المنزل على رأس ابنتى.

فضلت الصمت والتأكد، وبالفعل ذهبت في نفس الليلة خلفه إلى «شرم الشيخ» وهناك رأيتهما معا.. ولأول مرة أشعر بـ«الندم» على سنين عمرى التي أهدرتها وأنا أتحمل هذا الإنسان العاطل المكتئب.. لأول مرة أشعر بأن «الطلاق» هو الحل الوحيد أو «العقاب الأمثل» ليعرف قيمتى في حياته.

ابنتى تخرجت من الجامعة وأنا تجاوزت الخمسين من عمرى وأملك ما يؤهلنى «ماديا» للاستقلال عنه بحياتى.. ولن تكون ابنتى «ضيفة» على أحد إذا اختارت الحياة معى.. لكن هل ستتقبل ابنتى طلاقنا، رغم تعلقها الشديد بأبيها؟.. هل ستنحاز- مثلى- للأم التي ضحت كثيرا من أجلها؟.. كانت هذه الأسئلة العائق الوحيد للمواجهة المؤجلة.. لم يتبق أمامى إلا أن أستشيرك ليكون القرار حاسما والاختيار محددا.. مهما كان شكل الأيام القادمة.

يا صديقتى:
بداية يبدو أن «عقدة الخيانة» تتحكم في مشاعرك بأكثر من قسوة الطلاق، وأن نزوات والدك وخيانته تسيطر على تفكيرك، وهذا طبيعى، كما أنه لا ينفى خيانة زوجك وهى جريمة لا تغتفر بسهولة.. ولكن سأعود إلى كلماتك، لقد عاشرت إنسانا «مكسورا ومهزوما» تبددت حياته المهنية بأحلامه السياسية التي كانت مستحيلة، وقضى فترات طويلة من حياته في السجن دون تهمة إلا انتماءاته السياسية التي لم تحدديها، وأنت بنفسك قلت إنه «منطوى على ذاته ومكتئب».. ولكن جريمة الخيانة أنستك أن الاكتئاب مرض، وأن الزوج «العاطل» طبيعى أن يغار من عملك وأن يطعنك في أنوثتك مادام لا يملك انتزاع ثوب النجاح عنك.

لقد ساندته طيلة حياتك، وكنت مكتشفة عيوبه ومميزاته، لكن الميزة الوحيدة بأنه «أب جيد» تحولت إلى مؤامرة لاستقطاب البنت بعيدا عنك!.

أنا لا أتعاطف مع الخيانة ولا أبررها، ولا أخشى على امرأة متحققة مثلك ومستقلة ماديا من الطلاق.. وحتى في مثل سنك قد تختلف نظرة المجتمع لكونك امرأة وحيدة.. وأثق بأن حياتك ستكون ممتلئة بالعمل وبوجود ابنتك حتى لو اختارت الحياة مع أبيها.. فلا يخيفنى شكل الحياة إذا ما اخترت الطلاق.

لكن يجب التعامل مع زوجك باعتباره «حالة مرضية»، وفى الدول المتقدمة من يتردد على السجن يحتاج لـ«تأهيل نفسي» وربما يكون زوجك تجاوز هذه المرحلة بتفهمك وحنانك.. فما الذي تغير؟.

أتصور أن الحب الملتهب هدأت جذوته وتحول إلى نوع من «الألفة» سقطت مشاعرك القديمة كمراهقة بالتقادم، وأصبحت امرأة ناضجة تبحث عن شريك فعلى للحياة فلا تجد إلا «أسيرا للماضى»، رجلا تحول إلى «شبح» يبهج الآخرين وهو تعيس، يعيش مع امرأة متفوقة وهو فاشل، وفى قلب هذه الضغوط حاول «إثبات رجولته».. فلمس أعصابك العارية كتيار كهربى لم تشعرى معه إلا بالتخبط ما بين الاستمرار أو الطلاق.

أنا أتعجب لماذا يكون الطلاق هو النتيجة الحتمية للمواجهة المؤجلة؟.. إذا كانت لديه النية في الإقلاع عن التسكع العاطفى ولديك طاقة من الغفران تسمح باستمرار الحياة.. فلماذا لا تكون المواجهة وقفة لمراجعة النفس وتقييم المواقف وبداية جديدة.

الحقيقة معظم النساء يتجاوزن نزوات الزوج مهما كانت تضحيات الزوجة.. على الأقل احتراما لكل التضحيات التي قدمتيها.. أعلم أن كرامتك مجروحة ومشاعرك ممزقة وإيمانك بالحب الأول والأخير تزعزع.. وأوقن أن التسامح مع الخيانة يحتاج إلى شخصية قوية ومحبة ومتفانية.. وقد أحسست من كلماتك أنك بهذه المواصفات.

يا سيدتى.. زوجك بحاجة إلى «حضن دافئ»، خاصة بعدما باعدت بينكما مسافة العمل والنجاح، فأن تقضين معظم الوقت في عملك وهو جليس المنزل.. زوجك بحاجة إلى «علاج نفسى» على يدك بمزيد من التضحيات.. ولكن ليس من المقبول أن تصبح الخيانة «عادة» ولا أن يقابل تنازلاتك بجحود ولا أن يجرح أنوثتك.. إن نجحت في تحقيق هذه المعادلة الصعبة فقد تستمر الحياة وتعود أفضل مما كانت.. المواجهة حتمية ولكن في صورة «عتاب» وحوار غاب عن علاقتكما طويلا.

نقلا من المصرى اليوم

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى

Escort Mersin

|

Escort kızlar Eskişehir

|

Eskişehir türbanlı escort Merve

|

Mersin escort bayan

|

adana escort bayan facebook

|

adana suriyeli escort bayan

|

adana escort fiyatlari

|
escort99.com
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat