مقالات واراء

هل الأقباط أقلية فى مصر ؟!!!!!

محمد محمود

سؤال لو أجبت عليه بنعم فإنك بالتأكيد طائفى تقسم المجتمع إلى طوائف أكثرية وأقلية ، وإن أجبت عليه بلا فإنك تخالف الواقع البائس وتنكر قضية واضحة وتغمض عينك عن أمر جلى .

بداية ، الأقباط ( أى المسيحيون ) هم بكل تأكيد أصل هذا الوطن أى أنهم دون شك ولا تداخل عناصر دخيلة يمثلون البقية الباقية من المصريين القدماء لأنهم ببساطة كانوا هنا عندما جاءت الجيوش العربية وظلوا هنا على مصريتهم وعلى دينهم ، بينما المصريون المسلمون فهم خليط بين أقباط أسلموا رهبا أو رغبا وبين مسلمون وفدوا مع الجيوش أو بعدها …..
إذا فالاقباط المسيحيون هم العنصر الذى لا يرقى إليه شك فى مصريته ومعهم أيضا أهلنا بالنوبة فهم أيضا لم يتداخل معهم عنصر وافد ولا عرق دخيل …..
كان الأقباط هنا ومازالوا ، لم يهبطوا على وادى النيل من السماء ولا عبر الزحف المقدس ، بل نبتوا من طينة هذا الوادى وأثمروا وأينعوا فيه ……
حينما نتحدث عن الأقباط المسيحيين فإننا نتحدث عن مصر كلها وليس طائفة دينية ولا عرقية ، بل عنصر أساس فى تكوين هذه الأمة المصرية الكبيرة ، لذلك أجد أنه من المحزن والمعيب بل ومن التطاول على قدسية هذه الأمة ، أن أتحدث عن الأقباط المسيحيين وكأنهم طائفة منفصلة أو أقلية منفردة ، كلمة أقلية توحى فورا بالفرز والتصنيف والإقصاء والابعاد والتقسيم ، هذا أكثرية وذاك أقلية ، هذا التقسيم هو أول عوامل الإنهيار والفناء ، الدولة التى تلجأ إلى تصنيف أبنائها إلى أكثرية وأقلية على أساس ديني وأساس مذهبى ، تحفر قبرها بيديها وتسعى لخرابها بقدميها دون أن تدرى ….
الأقباط في مصر ليسوا أقلية ولكنهم فى الآونة الأخيرة ( العقود الثلاثة الماضية على الأقل ) بدأوا يشعرون بذلك لعدة أسباب وهى :
1- تغير صيغة ومفردات السلطة الحاكمة فى تعاملها مع الأقباط المسيحيين ، فبعد أن كانت مصر لكل المصريين لا فرق بينهم ، أصبح لدينا رئيس مسلم لدولة مسلمة يسمى نفسه بالرئيس المؤمن ويقدمه الإعلام وكأنه المخلص بعد زوال دولة الإلحاد ولازالت الحالة على ذات الحال إلى اليوم مع تغير الوجوه وتبدل المفردات….
2- تغير تابع للتغير الأول وهو تغير الإعلام فى تناوله للقضية الوطنية بالعموم والقضية القبطية على وجه الخصوص ، حيث تحول الإعلام فجأة إلى حلقات ذكر متوالية وزادت البرامج الدينية والندوات وظهر الدعاة والشيوخ بكثافة على شاشات التلفزيون وأصبح الإعلام كله فى مظاهرة دينية حاشدة وقام بإلغاء وجود الأخ والجار والصديق المسيحى القبطى ….
3- انتشر على إثر ذلك وبمباركة ومشاركة دولة الرئيس المؤمن ، انتشر الفكر السلفى الوهابى ومعه الفكر والتيار الإخوانى داخل المجتمع وبين الطبقات الوسطى تدريجيا عبر الترغيب والترهيب واكتشف المصريون فجأة انهم لم يكونوا يعلمون شيئا عن الإسلام الصحيح وأنهم ومنذ ألف وأربعمائة عام كانوا كفارا أو مشركين في أحسن الأحوال ( كما روج السلفيون والإخوان ) واكتشفت المسلمة فجأة أنها زانية لأنها تخرج من بيتها متعطرة ودون حجاب واكتشف الرجال أن اللحية والجلباب القصير ركن سادس من أركان الإسلام واكتشفوا الأخطر من ذلك كله …… إكتشفوا أن المسيحى ليس أخا ولا جارا ولا صديقا ، بل هو عدو متربص وخصم فاجر يتحين الفرصة للانقضاض عليك وعلى زوجتك وأطفالك وقتلك وقتلهم وأنهم يلتحقون بكلية الطب ليطلعوا على عورات المسلمين ، ويلتحقون بالصيدلة ليسمموا أبناء المسلمين ، ويلتحقون بالهندسة ليهدموا البيوت على رؤوس المسلمين
……..
وتطرف أغلب الشعب المصري وأطلق الرجال لحاهم وارتدت النساء النقاب والحجاب وابتعدوا نفسيا عن إخوانهم من الدين المسيحى ووجد المسيحيون أنفسهم فجأة غرباء فى وطنهم ينظر إليهم وكأنهم دخلاء غير مرغوب فيهم أو على الأقل مقبولين على مضض ، فأدى ذلك إلى الآتى :
– هرب الفريقان إلى فسطاطين منفصلين ، فسطاط عليه هلال والآخر عليه صليب ..
– أطلق المسلمون على أبنائهم حمزة وحذيفة ومصعب ومعاذ وجهاد وآية والشيماء وهاجر وجويرية …
– فأطلق المسيحيون على أبنائهم ارسانيوس ويوستينا وماركو وكريستينا وانطونيوس وكيرلس ….
– واختفت أسماؤنا المشتركة عماد وأشرف ورشدى وسامية وعفاف ومنال ….
……..
زادت الهوة واتسعت وتعمقت الخلافات وفى ذات الوقت ساء التعليم وانحدرت الثقافة العامة لدى المصريين فكانت أفضل بيئة ينمو ويترعرع فيها الخطاب المتطرف الإقصائى ….
……..
بدأت الحوادث الطائفية صغيرة بسيطة يسهل ارجاعها لخلافات سطحية وتبريرها وكأنها مجرد ( خناقة بين الجيران ) ثم لم تلبث أن كبرت كرة الثلج واستفحل مستصغر الشرر ورأينا حوادث كبيرة كما كان فى السطو على محلات الصاغة الأقباط وحرق محلات بيع الكحوليات ومحلات الفيديو وضرب المسيحيات فى الشوارع والتنمر عليهن فى وسائل المواصلات والمرافق العامة وكما كان فى قرية الكشح بسوهاج وكما كان من تفجيرات الكنائس فى القاهرة والإسكندرية وحرق الكنائس فى المنيا وغيرها من المحافظات …..
حاولت الدولة لملمة الأوراق المبعثرة وجمع الأشتات المتناثرة إلا أنها بغير قصد زادت الطين بلة وعمقت الخلاف ونكأت الجراح …..
لم تعالج الدولة القضية على أنها قضية وطنية يتعرض فيها الوطن بأكمله لهجمة بربرية تستهدف الجميع ولا تخص طرفا دون آخر ، بل تعاملت مع القضية وكأن الأقباط المسيحيين سائحين وافدين إلى مصر تجب حمايتهم وحراستهم ومرافقتهم بالبوليس أينما كانوا ، وحاولت جاهدة أن تعتمد القوة الخشنة فى معالجة الأمر دون أن تلتفت إلى معالجة اصل المشكلة وجذور القضية …..
لم تعمد إلى أسباب التطرف والإرهاب الدينى لتقطعها وتقضى عليها ولم تعمد إلى التعليم لتنقية مناهجه وكتبه من جرثومة التخلف وسبب الطائفية ولم تعمد إلى الإعلام لتحارب عبره صور التطرف الكئيبة ، ولكنها اكتفت بالقوة والقوة فقط …..
فى خضم هذه المشكلة الوطنية خرج من بين الشعب شرفاء من مسلمى هذا الوطن ليحملوا على عاتقهم مهمة إنقاذ الوطن بأكمله من براثن وانياب التطرف والتعصب ودفعوا الكثير أدبيا وماديا واجتماعيا ، فكان أن كفرتهم الرجعية الدينية وحاربتهم وشوهت سمعتهم بل ووصل الأمر إلى قتل بعضهم كما حدث مع الشهيد فرج فودة ….
ولكن كما كان هناك شرفاء كان هناك دخلاء ومنتفعون ونهازون للفرص ، تاجروا بالقضية وتربحوا وأصبحوا بين ليلة وضحاها نجوما فى المجتمع يشار إليهم بالبنان وتهتف لهم الحناجر وتصفق لهم الأكف والأيدى ، ولكن …. ولكن اختلفت المصالح وتقاطعت السبل فكان أن ظهرت النوايا وأسفرت الصورة الجميلة عن الوجه القبيح وصار الخلاف أقرب الى وصلات الردح فى حوارى المحروسة ……
كل هذا ولم نتطرق إلى ردة فعل أصحاب الشأن أنفسهم ، الأقباط ، هل احتجوا ؟ نعم
نعم ولكن بصوت خفيض. ..
هل تظاهروا؟
لا
هل استدعوا الغرب واستعدوه على الوطن ؟
رسميا وكنسيا ، أبدا لم يفعلوا ذلك …
هل لجأوا للقوة ليدافعوا عن أنفسهم؟
لا ، بل ينادون دائما بثقتهم فى الدولة وقدرتها على حماية الجميع ….
إذا ، كيف يكون الحل وكيف يكون المخرج من هذا المأزق الضيق ؟
لا جدال أن الحل فى كلمة واحدة …. دولة القانون…
نعم ، دولة القانون هى الحل الوحيد لكل مشاكل هذا الوطن وليس المشكلة القبطية فقط ، وليس عبر القانون العرفى وجلسات المجاملات وما يعرف ببيت العائلة وغير ذلك من تعد واضح وتدخل صريح فى أخص خصوصيات الدولة وهو فرض هيبتها بقوة القانون ….
……..
يقول جون ستيوارت مل عن الحكم الصالح ( ان الحكم الصالح ليس هو فقط الذى يسعى لإحراز أكبر قدر من المتعة التى يفضلها المواطنون ، ولكنه هو من يسعى لتربية مواطنيه على التماس متع أخلاقية وإنسانية أعلى من المتع الحسية المادية )

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat