مقالات واراء

لحظة حُب في عرض الطريق :

محمدأبو قمر

إلتقيتها صدفة ، أو عن قصد ، لا أعرف ، كنت في الطريق إلي عملي ، وكانت تركض قادمة من الاتجاه المقابل لي وهي تتفادي المارة كأنها تريد اللحاق بشيء ما ، أو ربما تهرب من شيء ما ، فجأة ، بينما أنا أتابعها في محاولة مني لاكتشاف ما الذي يدفعها إلي القفز في الهواء كأنها تريد أن تطير هكذا فوجئت بها تتجه نحوي بأقصي سرعة ، ثم تتوقف في مواجهتي تماما ، كانت تلهث ، حين التقطت أنفاسها ووقعت عيناي في عينيها إنتابني شعور أنها ستلكمني في عيني ، أو ربما تزعق في وجهي وتكيل لي الشتائم ، أو في أحسن الأحوال ربما تستنجد بي من أحد يلاحقها ، أو يحاول التحرش بها ، إذ قبل أن تستقر أمامي تماما راحت تتلفت أكثر من مرة إلي الخلف ، أخيرا هدأت ، وراحت تتأمل في وجهي ، وكلما مر الوقت كلما اتسعت عيناها الجميلتان وارتسمت فيهما ابتسامة هادئة مشوبة بالخجل ، وراحت وجنتيها تتورد ، فيما يشي محياها بقدر هائل من الأنوثة والرقة والعذوبة .

يا إلهي!! ، هل أنا أحلم؟! ، المفاجأة شوشتني ، هل قالت لي شيئا؟ ، لا أعرف ، ربما قالت بعض الكلمات وهي تُعدّل بلوزتها ، وتساوي شعرها ، لكن يُخيل لي أنني سمعتها تسألني وهي مازالت تصف خصلة من شعرها الناعم فوق جبهتها : هل شعري هكذا أحسن؟!، ولما منعني الذهول من الرد يبدو أنها سألتني مرة أخري : هل تعرفني؟ ، لم أرد هذه المرة أيضا ، لكنني أومأت بحركة من وجهي ويديّ تنم عن حيرتي ، هل أقول لها لا أعرفك ، أم أجازف وأقول لها نعم أعرفك ، بدا أنها فهمت مغزي إيماءاتي إذ عاجلتني قائلة : أنا أيضا لا أعرفك .

كان من الطبيعي عندما قالت إنها أيضا لا تعرفني أن ينصرف كل منّا إلي حال سبيله ، غير أنني أظن أنها لا سألت ، ولا أنا أجبت ، ذلك أنني مازلت متجمدا في مكاني مشدوها بفعل المفاجأة ، هي أيضا مازالت تقف في مواجهتي دون أن تنبس بأي كلمة ، فقط ترفع عينيها الواسعتين في عيني ، ثم سرعان ما يجتاحها الخجل فتخفض رأسها وهي تتمتم بكلمات محشورة لا تتجاوز حدود شفتيها ، وأظن أنها همّت بمد يدها كما لو كانت تريد مصافحتي ، لكن يدها انكمشت بسرعة بفعل رعشة انتابتها ، أنا نفسي حاولت مد يدي لمصافحتها لكن ذراعي خذلني ، لا أعرف مقدار ما مر من وقت وأنا أحاول استيعاب حقيقة وجودها أمامي متألقة ومضيئة وفارعة ورشيقة ، هل قلت لها شيئا؟! ، أظن أنني قلت ، لا أعرف ، لكن روحي كانت مترعة بمشاعر تكاد تفجرني من الداخل ، ولابد أنني قلت لها : هل تتذكرين أول مرة رأيتك فيها قادمة من هذا الطريق ، كان ذلك منذ مائتين وست وثلاثين يوما وعشر دقائق ، تلك الدقائق العشرة الأخيرة التي كاد انتظاري لك خلالها أن يحرقني ، ما الذي أخرك اليوم عني؟ ، منذ ذلك الحين ياحبيبتي وأنا كلما فتحت كتابا تسبقينني في تقليب صفحاته ، ثم تتقافزين بين الكلمات ، تبعثرين الحروف ، ثم تلملمينها من جديد فتتشكل بين يديك وردة ، تستغرقين في نزع أوراقها ورقة، ورقة ، لتكتشفين ما إذا كنت أحبك أم لا ، يحبني ، لا يحبني ، يحبني ، لا يحبني ، وحين تتبقي في يدك ورقة من صفحات وردتك تقول إنني لا أحبك تثورين ، وتبعثرين كتبي في كل اتجاه ، وتسكبين الشاي علي صدري ، وتنشرين الفوضي في أنحاء غرفتي فتتملكني الحيرة ، وأظل أدور حول نفسي لا أعرف ما الذي أفعله كي تتأكدي أنني أحببتك منذ اللحظة التي التقت فيها عيناي بعينيك في الطريق.

كانت حياتي كلها مرهونة باللحظة الخاطفة التي تلتقي فيها عيناي بعينيها من فوق رؤوس الناس كل صباح ، وحين أعود إلي الدار تتملكني الحيرة ، هل أنا واهم؟ ، ولكي أحسم الأمر وأبدو أمام نفسي كرجل عاقل لا تهزه نظرة في الطريق كنت أُحكم إغلاق كل باب في مسكني ، وكل نافذة ، وكل ثقب يمكن أن ينفذ طيفها منه ، وأروح أقلب في كتبي لعلني أجد فيها ما يمكن أن يعيد إلي نفسي توازنها ، لم يكن ذلك هروبا منها ، كان هروبا من هواجسي وأوهامي ، فلربما تكون نظراتها لي وهي قادمة كل صباح من الاتجاه المقابل مجرد نظرات عابرة لا تعني شيئا ، لكنها كانت تنفذ من صدري ، من عينيّ، كانت تنفذ من ظنوني ، ثم تسبقني في اختيار الكتاب الذي سأقرأه ، وتتقافز بين الصفحات ، وتبعثر الكلمات ، ولا تكف عن إثارة الفوضي في رأسي إلا حين أقرر إيقافها في الصباح التالي وتقبيلها في عرض الطريق.

هاهي ذي أمامي الآن فارعة ، ومتألقة ، ومضيئة ، وبريئة ، وتوحي ارتجافة خفيفة في شفتيها بأنها ستقول لي شيئا ، وأظن أنها قالت: أنا لا أعرف ما الذي يجذبني إليك ، وأعتقد أنني هذه المرة قلت لها : وأنا لا أعرف لماذا تنامين أنت بالذات بين جفوني كل ليلة.

كانت وقفتنا في منتصف الشارع المؤدي إلي مقر عملي ، وعادة ما يكون هذا الشارع في هذا الوقت من الصباح كل يوم مزدحما بالمارة جيئة وذهابا ، لكنني في تلك اللحظة الفارقة في حياتي لا أعرف لماذا أحسست أن المارة بدلا من الذهاب أو المجيء صاروا يدورون حولنا ، ربما كانوا يفعلون ذلك انتظارا للحظة معانقتي لها ، إذ كنت دون أن أدري أضيق المسافة بيني وبينها ، هل كانت هي الأخري تقترب مني رويدا ، رويدا؟ ، لا أدري ، لكن عبيرها كان كلما مر الوقت يملأ صدري ، وينفذ إلي روحي ، ثم إنني لاحظت أن يديها ترتعشان ، وأن وجهها قد صار مثل وردة نارية ، وراحت شفتاها تختلجان ، ولا أعرف هل تعانقنا فعلا ؟ ، ربما ، غير أن أنفاسها كانت تتقطع في أذني وهي تقول لي : كنت مرعوبة خشية ألا أتمكن من رؤيتك اليوم فقد أخرتني أمي عن موعد خروجي كل يوم لإصرارها علي ضرورة انتظاري حتي تنتهي من إعداد السندويتشات لي ، ويبدو أنني أيضا همست في أذنها قائلا : كنت علي وشك الجنون ياحبيبتي ، كان قلبها حينئذ ينبض في صدري ، وكنت أشعر بروحها تتسرب عبر خلاياي ، كنّا مازلنا نتهامس إلي أن انطلقت منها ضحكة بريئة فرقت الناس من حولنا وهي تقول لي : السندويتشات التي أخرتني أمي بسببها وقعت مني وأنا أركض للحاق بك .

بعد هذه العبارة بالتحديد عانقتها فعلا ، نعم عانقتها في عرض الطريق ، ووضعت علي شفتيها البريئتين قبلة بطول الشارع وعرضه وعمقه ، ثم وضعت يدي في يديها وسرنا ، لا أعرف في أي اتجاه كنّا نسير ، بل لا أعرف بالضبط هل كنّا نمشي بين الناس كأي عشيقين أم أننا كنّا نطير.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat