الأسرة

10 أسئلة لطالما أردت طرحها على لاجنسيّ

يشعر اللاجنسيون أنّ العمليّة الجنسيّة أمر مملّ

وقعتُ بالمصادفة على حساب “اللاجنسيّة” باللغة العربيّة على تويتر، وفي رأس الصفحة خريطة الوطن العربيّ من المحيط إلى الخليج مخطّطة بألوان الأسود، الأبيض، الرماديّ، والبنفسجيّ. في خانة التعريف عن الحساب هاشتاغ “اللاجنسيون موجودون.” معلومة جديدة بالكامل بالنسبة لي. قرأتُ قبل مدّة شهادة عن شابّة أميركيّة لاجنسيّة، لكنّي كنتُ أجهل أنّ شبابًا عرب ينشطون تحت هذه المظلّة. تخيّلوا أن يقول شابّ عربيّ لأهله إنّه لا ينجذب لممارسة الجنس، ولا يرغب بالزواج! ها هي رجولة العائلة ونسَبُها ينسفان من الجذور. أو مثلًا شابّة لا ترغب بالزواج، لأنّ الفعل الجنسيّ أمرٌ لا يعنيها. أيّ “مرض” هذا؟ أيّ ابتلاء؟

في ربيع العام 2017، أسّس نبيل علال، 26 عامًا، من الجزائر صفحة للتوعية عن اللاجنسيّة، بعدما لاحظ انعدام المصادر حول الموضوع بالعربيّة. بعد فترة، تعرّف على آلاء أحمد، 27 عامًا، من العراق، وكانت تنشط عبر مجموعة “اللاجنسيّة بالعربي.” نبيل مختصّ بالفلسفة، وآلاء خريجة معهد طبّي (وقاية أسنان)، وتعمل في مركز صحيّ. مسارات مهنيّة مختلفة، اهتمامات دراسيّة مختلفة، بلدان مختلفان، لكنّ نشاطهما في التوعية حول اللاجنسيّة جمعهما، إلى جانب رغبتهما بدعم المعرفة حول الموضوع باللغة العربيّة.

هكذا، وحّدا جهودهما، وأطلقا معًا “مجتمع اللاجنسيين الناطقين بالعربيّة” وبات له حسابات على كافة مواقع التواصل الاجتماعي. يرأس نبيل تحرير مجلّة “اللاجنسيّة” التي صدر منها عدد واحد في شتاء 2018. كما أطلق مع آلاء أوّل كتاب بالعربيّة بعنوان “اللاجنسيّة” ويعملان حاليًّا على إصدار طبعة جديدة منه. تحدّثت VICE عربيّة مع الناشطَيْن اللاجنسيين عبر فايسبوك، وسألناهما عشرة أسئلة ملحّة. إجاباتهما ستساعدنا على النظر بعين جديدة إلى الجنسانيّة بأطيافها المتنوّعة والمتعدّدة وغير القابلة للحدّ.

ما أن أقول أنّني أعمل على مادة حول “اللاجنسيين في العالم العربي” حتى أقابل بالاستغراب: هل هناك حقًّا “فئة” موجودة وتعرّف عن نفسها بهذه التسمية؟
آلاء: طبيعي أن يكون الاستغراب ردّ الفعل الأوّل في مجتمع اعتاد على سماع المألوف والمتوارث. لكنّي غالبًا ما ألاحظ أنّي حين أتحدّث عن اللاجنسيّة أمام أحدهم، أجده سارحًا في ذاكرته، ثمّ يقاطعني قائلًا: “نعم، نعم، تذكّرت أن فلان من أقاربي كان كذا وكذا” ويبدأ بتعداد أمثلة مشابهة. وبالفعل، لو دقّقنا قليلًا، سنجد أنّ كلّ واحد منّا مرّ على شخص لاجنسيّ في حياته، وإن لم يكن ذلك الشخص يعرّف عن نفسه كلاجنسيّ.

نبيل: قلّة المعرفة بالموضوع نتيجة طبيعيّة لكون الدراسات حول اللاجنسيّة قليلة وحديثة نسبيًّا. أنجز العالم الكندي أنتوني بوغارت أوّل دراسة علميّة حول الموضوع عام 2004، وأشارت إلى أنّ 1 من كلّ مئة راشد هو لاجنسيّ (ما يقارب 76 مليون حول العالم). أوّل من استخدم مصطلح “لاجنسي asexual” هو الطبيب وعالم الجنس الألماني ماغنوس هيرشفيلد عام 1896، لكنّ مجتمع اللاجنسيّين لم يتشكّل بصورته الحاليّة إلا مع اتساع انتشار الانترنت. أسَّس الناشط الأميركي دايفد جاي (1982) شبكة AVEN للتوعية حول اللاجنسيّة عام 2001. واختار جاي اللون البنفسجي للدلالة على اللاجنسيّة تيمّنًا بحجر الجمشت (الأماتيست) الذي تقول الأساطير القديمة إنّه يحمي صاحبه من السُكْر أو التسمّم. وربما رأى جاي أنّ الانجذاب الجنسي أشبه بالسكر. في عَلَم اللاجنسيّة يرمز اللون البنفسجي للمجتمع ككلّ، والأسود للاجنسيّين، والرمادي للاجنسيّين الرماديين والنصف جنسيين، والأبيض للداعمين… عمومًا للون البنفسجي شعبيّة بين اللاجنسيين ويرتبط بهم.

هل اللاجنسيّة اتجاه جنسيّ، أم ببساطة تفضيلٌ اختياريّ للامتناع عن ممارسة الجنس؟
نبيل: بالطبع لا تعني الامتناع عن ممارسة الجنس، لأن الامتناع خيار، بينما اللاجنسيّة توجّه طبيعي وفطري مثل المغايرة، والمثليّة. إذا كنت مغايرًا، لا يمكنك أن تختار أن تصير مثليًّا، وكذلك الأمر بالنسبة للاجنسيّة.

آلاء: تندرج اللاجنسيّة ضمن التوجّهات الجنسيّة، وهي طيف واسع فلا يختبرها شخص مثل آخر، لكنّها تعني ببساطة انخفاض أو انعدام الانجذاب الجنسيّ، إذ يشعر اللاجنسيّون أنّ العمليّة الجنسيّة أمر مملّ.

هل يمكن أن تعرف أنّك لاجنسيّ إن لم تمارس الجنس أبدًا؟
نبيل: أغلب الناس يعرفون توجّههم الجنسيّ قبل ممارسة الجنس. إذا كنت مغايرًا، تعرف أنّك لست مثليًّا من دون تجربة الجنس المثليّ، وكذلك الأمر بالنسبة للاجنسيّين.

آلاء: تمامًا، يمكنكِ أن تعرفي ميولكِ الجنسيّة من دون تجربة الجنس مطلقًا. الأمر فطري، مثل غريزة الجوع، فالطفل يضع الطعام في فمه وليس في أذنه من دون أن يعلّمه أحد ذلك.

قد يكون اللاجنسيّون محظوظين نسبيًّا، إذ يتفادون بشكل طبيعي الكبت الاجتماعي للرغبات الجنسيّة أو للميول المختلفة. أليست اللاجنسيّة “نعمة” في عالم عربيّ يصنّف الجنس ضمن المحرّمات؟
نبيل: هذه فكرة غير دقيقة، ولا تنطبق على الجميع. وضع اللاجنسيّين ليس أفضل من المثليين، فبعضهم يُرغمون على العلاج، وبعضهم يجبرون على الزواج، خصوصًا الفتيات، إلى جانب التنمّر، والاتهام بالبرود، أو بخلل في الرجولة بالنسبة للرجال.

آلاء: أكثر المجتمعات تحريمًا للشيء، هي أكثر المجتمعات رغبةً وهوسًا به، ولكلّ شيء ضريبة، فالجنسي يدفعها بالكبت والضغط الاجتماعي حتى يجد شريكًا ويتزوّج. أمّا اللاجنسي، فيدفع ضريبته بفرض العلاج الاجباري عليه، ودفعه لتناول عقاقير لا يحتاجها، وتكذيب كلامه والتشكيك الدائم به، وصولًا إلى الاغتصاب “التصحيحي” والإجبار على الزواج والاغتصاب الزوجي. أحيانًا قد تصل الأمور إلى الضرب، واستخدام السحر والشعوذة لاعتقاد العائلة أنّ الشخص ممسوس. “النعمة” الوحيدة، أنّ اللاجنسيّ لا يشعر بالكبت الجنسي.

صراحة لم أفهم كثيرًا ما الفرق بين اللاجنسية والبرود الجنسي. هل ينفر اللاجنسي من الحميمية مع الآخر، لكن غريزته الجنسية موجودة، أم أنّه لا يمتلك ميلًا جنسيًّا من الأساس؟
نبيل: يولد الانسان بتوجّه جنسيّ معيّن، وينطبق الأمر نفسه على اللاجنسيّين. قد يصاب الانسان بالبرود الجنسيّ لأسباب نفسيّة، منها القلق، أو التجارب الجنسيّة الفاشلة، أو حتى لأسباب عضويّة، منها تأثير بعض الأدوية. اللاجنسيّة لا تنجم عن مشكلة نفسيّة أو عضويّة، ويمكن أن يمارس اللاجنسيّ الجنس بشكل طبيعي بهدف الإنجاب، أو إرضاءً للشريك، لكن من دون وجود انجذاب. على عكس المصابين بالبرود الجنسيّ، لا يشعر اللاجنسيّون بالمعاناة في حال عدم ممارسة الجنس. لكي نفهم اللاجنسيّة علينا التفرقة بين الانجذاب الجنسي والذي يعني الرغبة بالاتصال جنسيًّا مع شخص آخر، وبين الحاجة الجنسية التي يمكن إشباعها عبر العادة السريّة، من دون وجود طرف ثانٍ.

آلاء: الإنسان ليس روبوتاً، لديه مزاج ومشاعر تخضع لتأثير عوامل متنوعّة. قد يمرّ الجنسيّ بمرحلة في حياته ينعدم لديه الانجذاب الجنسي، لظروف معيّنة. ولكن، بعكس البرود الجنسيّ، لا تنتج اللاجنسيّة عن خلل أو سبب مرضي، ولا تسبّب ازعاجًا للشخص، ولا يوجد علاج لها. فالمنشّطات لا تنفع مع اللاجنسيّ، لأنّ لا مشكلة لديه في النشاط بحدّ ذاته، كلّ ما في الأمر أنّه لا ينجذب لممارسة الجنس مع شخص آخر. لا يعني ذلك أنّه ينفر من الجنس، أو يكرهه. هو فقط يجده مملًّا، ولا يرغب به. قد يمارسه إرضاءً لشريكه، أو بسبب العرف الاجتماعي، أو لرغبة في الانجاب، وبعض اللاجنسيّين قد يفرّغون حاجة جسديّة عبر العادة السريّة.

حسنًا، هل هذا يعني أنّ بعض اللاجنسيّين يفكرون بالإنجاب، وليسوا لاإنجابيين بالضرورة؟
آلاء: يختلف ذلك من شخص لآخر، هناك لاجنسيّين تزوّجوا وأنجبوا.

نبيل: نعم، كما أنّ اللاجنسيّة توجّه طبيعي بينما اللاإنجابية فلسفة يمكن لأي شخص أن يتبناها أو لا يتبناها. بعض اللاجنسيين قد يكونون لاإنجابيين، والبعض لا، وليس لذلك علاقة بكونهم لاجنسيّين.

كيف يمكن للشخص أن يعرف إن كان لاجنسيًّا بشكل فطري، أم أنّه يعاني من مشكلة نفسيّة تجعله باردًا وغير راغب بممارسة الجنس؟
نبيل: إن تواصل معنا شخص يشكّ بأنّه لاجنسيّ، نوضح له ما هي اللاجنسيّة مع التأكيد أنّها ليست خيارًا، ولا مرحلة مؤقتة، ولا ينتج عنها معاناة، وننصحه باستشارة طبيب للتأكّد من عدم وجود مشكلة نفسيّة أو عضويّة، ما قد يساعده على معرفة ميله.

آلاء: نحن نشرح ونوضح الفرق بين المرض والتوجّه الطبيعي، لكنّ كلّ شخص هو وحده القادر على معرفة حقيقة نفسه. يمكن أن أعطيكِ شايًا وقهوة، وأشرح لك الفرق بينهما، لكن لن أستطيع أن أصف النكهة لكِ، عليكِ أن تختبريها بنفسك.

هل يقع اللاجنسي في الحبّ؟ هل الحبّ ممكن من دون انجذاب؟
آلاء: بالطبع! الحبّ شيء، والجنس شيء آخر. والاستمتاع بمشاعر الحب لا يمرّ بالمتعة الجنسية بالضرورة، كما أنّ الحب عاطفة شاملة لا يمكن اختزالها بصنف واحد، فهناك الحبّ الرومانسي، والحبّ اللارومانسي، والانجذاب الافلاطوني، وحبّ الأصدقاء، وغيرها. فإن كان بعض الجنسيّين قادرين على اختبار الحبّ الأفلاطوني من دون فعل جنسيّ، لماذا لا يكون بإمكان اللاجنسيّين اختباره أيضًا؟

نبيل: بتعبير آخر هناك عدّة أنواع من الانجذاب منها الجنسي، والرومانسي، والجمالي، والحسّي… بعض اللاجنسيّين لا يشعرون بانجذاب جنسيّ، لكنّهم يشعرون بانجذاب رومانسي، ويقعون في الحبّ، ويتزوّجون بناءً على ذلك.

هل ينتمي اللاجنسيّون إلى مجتمع الميم؟ أعتقد أنّ لاجنسيًّا قد لا يواجه نفس الاضطهاد الذي يواجهه مثليّ، هل هذه الفكرة دقيقة؟
آلاء: هناك ظلم لغويّ في عبارة “مجتمع الميم” لأنّها لا تشمل إلا “المثليين والمتحوّلين.” في اللغة الانكليزيّة ابتكروا عبارة أشمل LGBTQIA أو اختصارًا LGBT+. برأيي، فإنّ اللاجنسيّة تندرج تحت المظلّة ذاتها، لكنّ بعض اللاجنسيين لا يعدّون أنفسهم منتمين إلى هذا المجتمع. يتعرّض اللاجنسي للاضطهاد، وقد يغتصب زوجيًّا أو تصحيحيًا، الفرق أن اضطهاد المثليين أكثر نفورًا، وقد يصل حدّ القتل.

نبيل: الانتماء لهذا المجتمع مسألة تعود لخيار كلّ شخص. بعض اللاجنسيين يتعرّضون للتمييز بنفس القدر أو أكثر أحيانًا من باقي الأقليّات الجنسيّة، وذلك بحسب دراسة نشرت عام 2012، بيّنت أنّ اللاجنسيين يتعرّضون لتقييم سلبي عبر استخدام مصطلحات متحاملة غير إنسانيّة وتمييزيّة أكثر من الأقليات الجنسية الأُخرى.

كيف تتواصلون مع غيركم من اللاجنسيّين في العالم العربي؟
آلاء: نلتقي بمن هم قريبون منّا جغرافيًّا، التقيت حتى الآن بتسعة أشخاص في بغداد والمحافظات القريبة مني. هدفنا توفير الدعم، والإجابة على تساؤلات من هم بعيدون عنّا جغرافيًّا، والتوعية حول اللاجنسية التي بقيت قيد التعتيم لقرون عديدة.

نبيل: ننشط ونتواصل مع بعضنا البعض عبر شبكات التواصل، لتواجدنا في دول مختلفة. هدفنا الأساسي التوعية حول الموضوع، ولم نقم بتجمّعات في الواقع أو نشاطات إلا على نطاق صغير. بحسب دراسة الباحث أنتوني بوغارت العام 2004، فإنّ 1 بالمئة من سكان العالم لاجنسيين، ما يعني أنّ عددهم قد يصل في العالم العربي إلى 3.59 مليون. هناك دراسات أخرى تشير إلى أنّ النسب أعلى من ذلك بكثير. أطلقنا عبر موقعنا التعداد السنوي للاجنسيّين، وسيساعدنا في تحديد الأعداد بشكل أدقّ.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat