مقالات واراء

هل التطرف مرض وراثي أم مكتسب !!

حبيب محمد

جميعنا نسمع يوميا عن هذا الموضوع ، ولكن هل سألنا انفسنا عن مسبباته وتداعياته الجيوسياسية والفكرية..
ان الانسان يولد وهو سليم التفكير وبالتالي عقله خالي من أي حقد أو كره تجاه من يختلف معه سواء كان ذلك التباين في اللون أو العرق أو الدين أو الفكر أو البيئة الجغرافية، لكن المحيط والثقافة السائدة هما عوامل مهمة جدا في تكويين شخصية الطفل مثلما يؤكد ذلك الطبيب النمساوي ومؤسس علم النفس الحديث “سيغموند افرويد” بقوله :

(البيئة تلعب دور مهم في الشخصية)
من هنا يتضح أسلوب المجتمع المتحضر أو المجتمع البدائي ، أن البدائية تعني بدائية التفكير والأسلوب حيث يتم حصر كل شيئ في زاوية واحدة واعطائه طابع الأحادية وبالتالي لامكان لمن يختلف مع هذا الفهم المحدود ..
ان مجتمعاتنا لم تخرج بعد من دائرة التقليد ولذلك بقية رهينة الأفكار الميتة إلى يومنا هذا ، وهذا في حد ذاته تطرف ممنهج لأنه يلغي دور العقل ويعتمد فقط المسلمات ومايتم تداوله خارج نطاق المنظومة العلمية أو المنهج العلمي والرؤية النقدية… التطرف أنواع :
هناك تطرف في الفكر وهو نوع من التشدد الآيديولوجي وهو سيظل موجود بطبيعة الحال إلا أنه درجات، فكلما قلت معرفة الشخص قل وعيه وزاد تطرفه ، ومشكلة المتطرف ان لديه أسلحة تتدرج حسب الموضوع وحساسيته فهناك أمور تقابل بغازات كلامية وهناك قضايا يرد عليها بعصا الصراخ وهناك ملفات تعني أنك أصبحت ضحية لفكر العنف وقد تهاجم بقذائف سامة ومشوهة للجسم والمرحلة الأخيرة هي أن يكون حظك سيئ فتقع في قبضة مصاصي الدماء حيث لارحمة أو شفقة بل ستقطع اربا اربا
التطرف الديني وهو أشد أنواع التطرف لأن كل مجموعة معينة تعتبر أن دينها هو الحق وغيرها مخطأ وهذا يولد صراعا سيظل قائم بشكل أو بآخر ، إلا أن الإنسان العقلاني في غنى عن كل هذه الحروب الوهمية لأن الدين المفترض انه مسألة روحية وخاصة جدا ، لكن حين يتم تعاطيها في أماكن غير محددة لها تحصل الكارثة وهذا ما تدفع مجتمعاتنا تكلفته وهي باهظة الثمن. .

يقول عالم الإجتماع الدكتور علي الوردي
“ان المقياس الذي نقيس به ثقافة شخص ما ، هو بمقدار مايتحمل من آراء غيره المخالفة لرأيه”..
لذلك احترام آراء الآخرين ومعتقداتهم في حد ذاته دليل على الوعي وهو ماينم عن تفكير عميق يدعوا للتعددية والفكر الديمقراطي حيث التنوع والانفتاح..

وحتى بعض الدراسات أثبتت أن التشدد يكثر في الأشخاص المتدينين أكثر من غيرهم ، وهذا احتمال وارد جدا ، لأن المتشدد دينيا هو شخص لديه عقل عاطل عن العمل وكل تحركاته تنبع من العاطفة ويتصور أن كل من يختلف معه هو عدو له وبالتالي عدو للدين ويجب التخلص منه لأن تلك الإبادة المجانية للآخر مكافئتها الجنة والتمتع بالحور العين وغير ذلك من النعيم الذي يشغله ليلا نهارا..
وحتى في السجل التاريخي للحروب والمجازر كان أغلب الضحايا عبر العصور نتيجة صراعات دينية أو تصفيات عرقية ولعل أقرب مثال رواندا وجمهورية وسط أفريقيا ، فيما تم سحق شعوب شمال أفريقيا وكذلك تم قتل ملايين الأرمن باسم المذهب المغلف بزي القداسة ، والذي في حقيقته ليس سوى أجندة سياسة تم تطبيقها في ذلك الوقت إذ لا صوت يعلوا فوق صوت السيف والخنجر والحربة ثم لاحقا تغيرت الأسلحة من الحديد والخشب إلى النووي والمدافع لكن التفكير لازال مسيطر..
هناك ايضا التطرف للرأي والتطرف للقبيلة والتطرف للجهة والتطرف للإنتماء السياسي كلها متتاليات تعبر عن فبركة للأدمغة، ممايؤدي لضيق التوجه..
ومما ساعد على تنامي الجماعات المتشددة والارهابية هو المخزون التراثي المليئ بالمواد السامة، فمثلا اول مايتم تعليمه للطفل منذ صغره في مجتمعاتنا العربية والمسلمة أن كل من لاينتمي لعاداتنا وتقاليدنا ومذهبنا هو كافر وبالتالي مصيره النار، انه فيروس التكفير وتقزيم الآخر وذلك ليس إلا انعكاسا لإنحطاط الثقافة الصراوحية المحدودة والتي هي في مرحلة احتضار مبكر، اما أن يتماشى هؤلاء البدو مع بوصلة العلم أو يبقون في غياهيب النسيان..

وهذا ما اوضحه الطبيب وعالم النفس والمؤرخ الفرنسي “غوستاف لوبون” ، في كتابه “سيكولوجية الجماهير” ، بقوله : ” من دون تقاليد لايمكن ان توجد حضارة ، وبدون الإزالة البطيئة والمتدرجة لتلك التقاليد لايمكن ان يحدث تقدم”

ان التقدم الفكري هو لقاح يكسبك مناعة ضد أمراض العصر الحديث، حيث ضحايا التطرف الديني أكثر من ضحايا السرطان ، .
ومن المفاهيم المعلبة في عالمنا الرديء هو أن التصنيف الجاهز هو تهمة تصدر بحق كل من لايعتنق طرح الغالبية ومع ذلك يحزنون وينفعلون حين يفسر لهم أن الإرهاب هو فرض اسلوب أو مذهب معين بالقوة او التخوييف وهذا مايوضح اضمحلال المنطق التقليدي أمام الصرح العقلاني، أن حمل السلاح لايكلفك أي شيئ أما حمل الفكر فقد يكلفك الكثير ومن هنا قل المفكرون وكثر المكفرون ، لأن الأمم التي أودعت عقولها لموزعي الوهم لا أمل في غسلها من التعفن لأن الجثث تحلل وتختفي مع الوقت ..
أن التكتلات الإرهابية والمسلحة كلها دون استثناء تتفرع من خلية تنظيم الاخوان المجرمين والذين لديهم جهاز سري يديرون به أعمالهم الإجرامية فيما تكتفي مجالسهم التي تتصدر المشهد بعقد سياسة تغييب الشعب بالركوب على الديمقراطية وهم الراعي الرسمي للإرهاب الذي يحاضر عن الديمقراطية علنا ويقوم بالإرهاب سرا ، وهذا هو مايشتغل به الإخوان انهم وقود فعال لتدمير بلداننا لأنهم يحلمون بعودة عصر الجلد والذبح والسبي وحتى اني لاحظت مؤخرا تراجعهم عن نزعتهم التقليدية وميولهم للعلمانية والتفاسير العصرية للدين ، انهم مخادعون ومدمنون على مشروب النفاق السياسي والديني ، على الأقل داعش وبوكو حرام والشباب المجاهدين وجبهة النصرة وغيرهم من الجماعات الإرهابية هم واضحين جدا في أفعالهم وطريقة فهمهم للدين، فيما مجانين الوسطية هؤلاء لا موقف لهم من التاريخ أو الجغرافيا مابالك بالانسان ، ولعل تاريخهم الأسود أقرب مثال على ذلك ، فهم من نشر الارهاب في مصر وهم من قسم السودان، وهم من خربوا ليبيا وهم من دمر سوريا، وهم المتسبب في العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر وهم من يحاولون اختطاف تونس وهم من اغتال المعارضين “شكري بلعيد ومحمد البراهيمي ” بعد الثورة وارجع تونس للوراء وخلق توتر في المنطقة ، أنهم وباء لا علاج له سوى التطعيم قبل تفشيه ، ويكون ذلك بمجابهة الفكر بالفكر ، عندها ستتخلى شعوبنا عن عقلية الماضي وتحكم عقولها بدل الركض وراء الخزعبلات ومزج الغيوم بالرمال ..

إذا بعد تشريح الواقع ومحاولة تفكيك المعادلات الجامدة ، يتضح لنا أن مرض التطرف هو مكتسب والدليل على ذلك أن التطرف في كل البلدان الا ان أغلب متطرفي العالم هم من الكوكب المظلم أي “أفريقيا والشرق الأوسط ” وذلك نتيجة تذويب الفرد في الجماعة ، والعلاج لهذا المرض يكون بعقاقير فكرية وسياسية إلا أن العلاج الفكري هو الذي يحسم المعركة لأنه يشمل مراجعة المفاهيم التراثية وإعادة إصلاح المجتمع ، فيما السياسة هي قوة دفع لا أكثر تجسد ماتم الإعلان عنه .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق
WhatsApp chat